فصل: تفسير الآيات (1- 7):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم



.تفسير الآيات (2- 5):

{أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)}
وقوله تعالى: {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ} إلخ بَيَانٌ إِجْمَاليٌ لمَا فعلَه الله تَعَالى بهمْ وَالهْمزةُ للتقريرِ كَما سبقَ ولذلكَ عطفَ عَلَى الجُملْةِ الاستفهاميةِ ما بعدَهَا كأنَّه قيلَ: قدْ جعلَ كيدَهُم في تعطيلِ الكعبةِ وتخريبِها في تضييعٍ وإبطالٍ بأنْ دمَّرهُم أشنعَ تدميرٍ {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ} أَيْ طوائفَ وجماعاتٍ جمعُ أبالةٍ وهيَ الحزمةُ الكبيرةُ شُبهتْ بَها الجماعةُ من الطيرِ في تضامِّها وقيلَ: أبابيلَ مثلُ عبابيدَ وشماطيطَ لا واحدَ لهَا {تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ} صفةٌ لطيراً. وقرئ: {يَرْميهِمْ} بالتذكيرِ لأنَّ الطيرَ اسمُ جَمْعٍ وتأنيثُهُ باعتبارِ المَعْنَى {مّن سِجّيلٍ} من طينٍ مُتحجرٍ مُعَرَّبُ سَنْك كِلْ وقيلَ كأنهُ عَلمٌ للديوانِ الذي كتبَ فيهِ عذابُ الكفارِ كما أنَّ سجيناً علمٌ للديوانِ الذي يكتبُ فيه أعمالُهم كأنَّه قيلَ بحجارةٍ من جملةِ العذابِ المكتوبِ المدونِ، وَاشتقاقُه منَ الإسجالِ وهُوَ الإرسالُ {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ} كورقِ زرعٍ وقعَ فيهِ الأكالُ وهُوَ أنْ يأكلُه الدودُ أوْ أكلَ حبُّه فبقَي صِفراً منْهُ أوْ كتبنٍ أكلتْهُ الدوابُّ وَرَاثتْهُ أشيرَ إليهِ بأولِّ أحوالِه. عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «منْ قرأَ سورةَ الفيلِ أعفاهُ الله تعالَى أيامُ حياتِهِ منَ الخسفِ والمسخِ» وَالله أعلمُ.

.سورة قريش:

.تفسير الآيات (1- 4):

{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)}
{لإيلاف قُرَيْشٍ} متعلقٌ بقولِه تعالَى فليعبدُوا، والفاءُ لما في الكلامِ منْ مَعْنى الشَّرطِ إذِ المعَنْى أنَّ نِعمَ الله تعالَى عليهمْ غيرُ محصورةٍ فإنْ لَمْ يعبدُوه لسائرِ نعمهِ فليعبدُوه لهذِه النعمةِ الجليلةِ وقيلَ بمضمرةٍ تقديرُهُ فعلنَا مَا فعلنَا منْ إهلاكِ أصحابِ الفيلِ لإيلافِ إلخ وقيلَ: تقديرُهُ أعْجَبُوا لإيلافِ إلخ وقيلَ: بمَا قَبْلَهُ منْ قولِه تعالَى: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ} ويؤيدُهُ أنهُمَا في مُصْحفِ أُبَيَ سورةٌ واحدةٌ بلاَ فصلٍ، وَالمَعْنى أهلكَ مَنْ قصدَهُم منَ الحبشةِ ليتسامعَ النَّاسُ بذلكَ فيتهيبُوا لَهُمْ زيادةَ تهيبٍ ويحترمُوهم فضلَ احترامٍ حَتَّى ينتظَم لهُمْ الأمنُ في رحلتيِهمْ فَلاَ يجترىءُ عليهمْ أحدٌ وكانتْ لقريشٍ رحلتانِ يرحلونَ في الشتاءِ إلى اليمنِ وفي الصيفِ إِلى الشامِ فيمتارونَ ويتجرونَ وكانُوا في رحلتيِهمْ آمنينَ لأنَّهُم أهلُ حرمِ الله تعالَى وولاةُ بيتِه العزيزِ فَلاَ يُتَعرضُ لهُمْ والنَّاسُ بينَ مُتخطَّفٍ ومنهوبٍ. وَالإيلافُ منْ قولِكَ آلفتْ المكانَ إيلافاً إذا أَلفْتَهُ وقرئ: {لإلافِ قُريشٍ} أيْ لمؤالفتِهمْ، وقيلَ: يقالُ ألفتُهُ إلفاً وإلافاً وَقرئ: {لإلفِ قريشٍ}، وقريشٌ ولدُ النَّضْرِ بنِ كنَانَةَ سُمُّوا بتصغيرِ القِرشِ وهُوَ دابةٌ عظيمةٌ في البحرِ تعبثُ بالسفنِ وَلاَ تُطَاقُ إِلاَّ بالنارِ، والتصغيرُ للتعظيمِ وقيلَ: منَ القَرْشِ وهُوَ الكسبُ لأنهمْ كانُوا كسَّابينَ بتجاراتِهمْ وضربِهمْ في البلادِ. وقوله تعالى: {إيلافهم رِحْلَةَ الشتاء والصيف} بدلٌ منَ الأولِ، ورحلةَ مفعولٌ لإيلافِهم وإفرادُهَا معَ أنَّ المرادَ رِحْلَتي الشتاءِ والصيفِ لأمنِ الإلباسِ، وَفي إطلاقِ الإيلافِ عنِ المفعولِ أولاً وإبدالُ هَذا منْهُ تفخيمٌ لأمرِهِ وتذكيرُ لعظيمِ النعمةِ فيهِ. وَقرئ: {ليألفَ قريشٌ إلَفهُمْ رحلةَ الشتاءِ والصيفِ}، وقرئ: {رُحلةَ} بالضمِّ وهيَ الجهةُ التي يُرحلُ إليَها {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت الذي أَطْعَمَهُم} بسببِ تينكِ الرحلتينِ اللتينِ تمكُنوا فيهَما بواسطةِ كونِهم منْ جيرانِهِ {مِن جُوعٍ} شديدٍ كانُوا فيهِ قَبْلَهُما، وقيلَ: أريدَ بهِ القحطُ الذي أكلُوا فيهِ الجيفَ والعظامَ {وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} عظيمٍ لاَ يُقَادرُ قدرُهُ وهُوَ خوفُ أصحابِ الفيلِ أوْ خوفُ التخطفِ في بلدِهم وَفي مسايرِهِم وقيلَ: خوفُ الجُذَامِ فلاَ يصيبُهمْ في بلدِهِم.
عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قرأَ سورةَ قريشٍ أعطاهُ الله تَعالَى عشرَ حسناتٍ بعددَ مَنْ طَافَ بالكعبةِ واعتكفَ بَها».

.سورة الماعون:

.تفسير الآيات (1- 7):

{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)}
{أَرَءيْتَ الذي يُكَذّبُ بالدين} استفهامٌ أريدَ بهِ تشويقُ السامعِ إلى معرفةِ مَنْ سيقَ لَهُ الكلاَمُ، والتعجيبُ منْهُ. والخطابُ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم. وقيلَ: لكُلِّ عاقلٍ والرؤيةُ بمَعْنى المَعْرفةِ وقرئ: {أرأيتَكَ} بزيادةِ حَرْفِ الخطابِ والفاءُ في قولِه تعالَى: {فَذَلِكَ الذي يَدُعُّ اليتيم} جوابُ شرطٍ محذوفٍ على أنَّ ذلكَ مُبتدأٌ والموصولُ خبرُهُ والمَعْنى هَلْ عرفتَ الذي يكذبُ بالجزاءِ أو بالإسلامِ إنْ لَمْ تعرفْهُ أو إنْ أردتَ أنْ تعرفَهُ فهُوَ الذي يدفعُ اليتيمَ دفعاً عنيفاً ويزجرُهُ زَجْراً قَبيحاً ووضعُ اسمِ الإشارةِ المتعرضِ لوصفِ المشارِ إليهِ موضعَ الضميرِ للإشعارِ بعلةِ الحكمِ والتنبيهِ بمَا فيهِ من مَعْنى البُعدِ على بُعْدِ منزلتِهِ في الشرِّ والفسادِ. قيلَ: هُوَ أبُو جهلٍ كانَ وصياً ليتيمٍ فأتاهُ عُرياناً يسألُهُ من مالِ نفسِه فدفعَهُ دفعاً شنيعاً، وقيلَ: أبُو سفيانَ نحرَ جزوراً فسألَهُ يتيمٌ لحماً فقرعَهُ بعصاهُ، وقيلَ: هُوَ الوليدُ بنُ المُغِيرَةِ وقيلَ: هُوَ العَاصُ بنُ وائلٍ السَّهْمِيُّ، وقيلَ: هُوَ رجُلٌ بخيلٌ مِنَ المنافقينَ، وقيلَ: الموصولُ على عمومِهِ. وقرئ: {يَدَعُ اليتيمَ} أيْ يتركُه ويجفُوهُ {وَلاَ يَحُضُّ} أيْ أهلَهُ وغيرَهُم مِنَ الموسرينَ {على طَعَامِ المسكين} وإذَا كانَ حالُ من تركَ حَثَّ غيرَه على ما ذُكرَ فمَا ظنُّكَ بحالِ من تركَ ذلكَ معَ القُدرةِ عليهِ. والفاءُ في قولِه تعالَى: {فَوَيْلٌ} الخ، إما لربطِ مَا بعدَهَا بشرطٍ محذوفٍ كأنَّه قيلَ: إذَا كانَ مَا ذُكِرَ من عدَمِ المُبالاةِ باليتيمِ والمسكينِ مِنْ دَلاَئلِ التكذيبِ بالدِّينِ وموجباتِ الذمِّ والتوبيخِ فويلٌ {لّلْمُصَلّينَ * الذين هُمْ عَن صلاتهم سَاهُونَ} غافلونَ غيرُ مبالينَ بهَا {الذين هُمْ يُرَاءونَ} أيْ يرونَ النَّاسَ أعمالَهُم ليروهُمْ الثناءَ عَلَيهَا {وَيَمْنَعُونَ الماعون} أي الزكاةَ أو مَا يُتعَاورُ عادةً فإنَّ عدمَ المبالاةِ باليتيمِ والمسكينِ حيثُ كانَ كمَا ذُكِرَ فعدمُ المبالاةِ بالصلاةِ التي هي عمادُ الدينِ والرياءُ الذي هُوَ شعبةٌ منَ الكفرِ ومنعُ الزكاةِ التي هيَ قنطرةُ الإسلامِ وسوءُ المعاملةِ مَعَ الخلقِ أحقُّ بذلكَ وإمَّا لترتيبِ الدعاءِ عليهم بالويلِ على ما ذكرَ من قبائحِهم ووضعُ المصلينَ موضعَ ضميرِهم ليتوسلَ بذلكَ إلى بيانِ أنَّ لهُم قبائحَ أخَر غيرَ ما ذكرَ.
عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قرأَ سورةَ الدينِ غُفرَ لَهُ إنْ كانَ للزكاةِ مُؤدياً».

.سورة الكوثر:

.تفسير الآيات (1- 3):

{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)}
{إِنَّا أعطيناك} وقرئ: {أَنْطَينَاكَ} {الكوثر} أيِ الخيرُ المفرطُ الكثيرُ من شرفِ النبوةِ الجامعةِ لخيريِّ الدارينِ والرياسةِ العامةِ المستتبعةِ لسعادةِ الدُّنيا والدين، فوعلٌ منَ الكثرةِ وقيلَ: هُوَ نهرٌ في الجنةِ وعنِ النبيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أنه قرأهَا فقالَ: «أتدرونَ ما الكوثَرُ؟ إنَّه نهرٌ في الجنةِ وَعَدنيهِ ربِّي فيهِ خيرٌ كثيرٌ» ورُويَ في صفتِهِ أنَّه أَحْلَى من العسلِ وأشدُّ بياضاً من اللبنِ وأبردُ من الثلجِ وألينُ من الزبدِ حافتاهُ الزبرجدُ وأوانيهِ من فضةٍ عددَ نجومِ السماءِ. ورُوي لا يظمأُ من شربَ منْهُ أبداً أولُ وارديهِ فقراءُ المهاجرينَ الدَّنِسُو الثيابِ الشُّعْثُ الرؤوسِ الذينَ لا يزوجونَ المنعمّاتِ ولا تفتحُ لهم أبوابُ السُّدَدِ يموتُ أحدُهم وحاجتُهُ تتلجلجُ في صدرِه لو أقسمَ على الله لأبرَّهُ. وعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهُما أنه فسرَ الكوثرَ بالخيرِ الكثيرِ فقالَ لَه سعيدُ بنُ جُبيرٍ: فإنَّ ناساً يقولونَ: هُوَ نهرٌ في الجنةِ فقالَ: هُو منَ الخيرِ الكثيرِ وقيلَ: هو حوضٌ فيهَا وقيلَ: هو أولادُه وأتباعُه أو علماءُ أمتِه أو القرآنُ الحاوِي لخيرِ الدُّنيا والدينِ. والفاءُ في قولِه تعَالَى: {فَصَلّ لِرَبّكَ} لترتيبِ ما بعدَهَا على ما قبلَها فإنَّ إعطاءَهُ تعالَى إيَّاهُ عليهِ السلامُ ما ذكرَ من العطيةِ التي لم يُعطِهَا ولنْ يعطيهَا أحداً منَ العالمينَ مستوجبٌ للمأمورِ بهِ أيَّ استيجابٍ أي فدُمْ على الصلاةِ لربكَ الذي أفاضَ عليكَ هذه النعمةَ الجليلةَ التي لاَ يضاهيهَا نعمةٌ خالصةً لوجهِه خلافَ الساهينَ عنهَا المرائينَ فيهَا أداءً لحقوقِ شكرِهَا فإنَّ الصلاةَ جامعةٌ لجميعِ أقسامِ الشكرِ {وانحر} البدنَ التي هيَ خيارُ أموالِ العربِ باسمِه تعالَى وتصدقْ على المحاويجِ خلافاً لمن يدعهُمْ ويمنعُ عنهُم الماعونَ. وعن عطيةَ: هيَ صلاةُ الفجرِ بجمعٍ والنحُرُ بمنًى وقيلَ: صلاةُ العيدِ والتضحيةُ وقيلَ: هيَ جنسُ الصلاةِ والنحرُ وضعُ اليمينِ على الشمالِ وقيلَ: هُوَ أنْ يرفعَ يديهِ في التكبيرِ إلى نحرِه هُوَ المرويُّ عنِ النبيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ. وعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهمَا: استقبلِ القبلةَ بنحركَ وهُو قولُ الفَرَّاءِ والكَلْبي وأبي الأَحْوَص {إِنَّ شَانِئَكَ} أيْ مبغضكَ كائناً منْ كانَ {هُوَ الأبتر} الذي لاَ عقِبَ لَهُ حيثُ لا يبقَى منهُ نسلٌ ولا حُسنُ ذكرٍ، وأمَّا أنتَ فتبقَى ذريتُكَ وحسنُ صيتكَ وآثارُ فضلكَ إلى يومِ القيامةِ ولكَ في الآخرةِ ما لا يندرجُ تحتَ البيانِ وقيلَ: نزلتْ في العاصِ بنِ وائلٍ وأياً ما كانَ فلا ريبَ في عمومِ الحكمِ.
عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قرأَ سورةَ الكوثرِ سقاهُ الله تعالَى مِنْ كُلِّ نهرٍ في الجنةِ ويكتبُ لهُ عشرُ حسناتٍ بعددِ كُلِّ قُربانٍ قربَهُ العبادُ في يومِ النحرِ».

.سورة الكافرون:

.تفسير الآيات (1- 6):

{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)}
{قُلْ ياأيها الكافرون} هم كفرةٌ مخصوصونَ قدْ علمَ الله تعالَى أنَّه لا يتأتَّى منهمْ الإيمانُ أبداً. رُوِيَ «أنَّ رهطاً مِنْ عُتاةِ قريشٍ قالُوا لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم: هلمَّ فاتبعْ دينَنَا ونتبعُ دينَكَ تعبدُ آلهتَنَا سنةً ونعبدُ إلهك سنةً، فقالَ: معاذَ الله أنْ أشركَ بالله غيرَهُ فقالُوا: فاستلمْ بعضَ آلهتِنَا نصدقكَ ونعبدَ إلهك فنزلتْ، فغدَا إلى المسجدِ الحرامِ وفيهِ الملأُ من قريشٍ فقامَ على رؤوسِهم فقرأَهَا عليهم فأيِسوا» {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} أيْ فيمَا يُستقبلُ لأَنَّ «لاَ» لاَ تدخلُ غالباً إلاَّ على مُضَارعٍ في مَعْنى الاستقبالِ كما أنَّ مَا لاَ تدخلُ إلاَّ على مضارعٍ في مَعْنى الحالِ والمَعْنى لا أفعلُ في المستقبلِ ما تطلبونَهُ مِنِّي من عبادةِ آلهتكم {وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ} أيْ ولا أنتُم فاعلونَ فيهِ ما أطلبُ منكُم من عبادةِ إلهي {وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} أيْ وما كنتُ قطُّ عابداً فيمَا سلفَ ما عبدتُم فيه أيْ لم يُعْهدْ مِنِّي عبادةُ صنمٍ في الجاهليةِ فكيفَ تُرْجَى مِنِّي في الإسلامِ {وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ} أيْ وما عبدتُم في وقتٍ مِنَ الأوقاتِ مَا أنا على عبادتِهِ وقيلَ: هاتانِ الجملتانِ لنفي العبادةِ حالاً كما أنَّ الأولين لنفيها استقبالاً وإنَّما لم يقُلْ ما عبدتُ ليوافقَ ما عبدتُم لأنَّهم كانُوا موسومينَ قبلَ البعثةِ بعبادةِ الأصنامِ، وهُوَ عليهِ السلامُ لم يكُنْ حينئذٍ موسوماً بعبادةِ الله تعَالَى وإيثارُ مَا في أعبدُ على مَنْ لأنَّ المرادَ هُوَ الوصفُ كأنَّه قيلَ: مَا أعبدُ مِنَ المعبودِ العظيمِ الشأنِ الذي لا يُقادَرُ قدرُ عظمتِهِ وقيلَ: إنَّ مَا مصدريةٌ أيْ لا أعبدُه عبادتَكُم ولا تعبدونَ عبادَتِي وقيلَ: الأوليانِ بمَعْنى الذي والأخريانِ مصدريتانِ وقيلَ: قولُه تعالَى: {وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} تأكيدٌ لقولِه تعَالَى: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} وقولُه تعالَى: {وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ} ثانياً تأكيدٌ لمثلِه المذكورِ أولاً وقولُه تعالَى: {لَكُمْ دِينَكُمْ} تقريرٌ لقولِه تعَالَى: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} وقولِه تعالَى: {وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} كمَا أنَّ قولَه تعالَى: {وَلِىَ دِينِ} تقريرٌ لقولِه تعالَى: {وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ} والمَعْنى أنَّ دينَكُم الذي هُوَ الإشراكُ مقصورٌ على الحصولِ لكُم لا يتجاوزُهُ إلى الحصولِ لِي أيضاً كما تطمعونَ فيهِ فلاَ تعلقُوا بهِ أمانيَّكُم الفارغةَ فإنَّ ذلكَ مِنَ المُحالاتِ وأنَّ دينيَ الذي هُوَ التوحيدُ مقصورٌ على الحصولِ لي لا يتجاوزُه إلى الحصولِ لكُم أيضاً لأنَّكم علقتمُوه بالمحالِ الذي هُوَ عبادتِي لآلهتِكم أو استلامِي إيَّاها ولأنَّ ما وعدتمُوه عينُ الإشراكِ، وحيثُ كانَ مَبْنى قولِهم: تعبدُ آلهتَنَا سنةً ونعبدُ إلهك سنةً على شركةِ الفريقينِ في كلتا العبادتينِ كان القصرُ المستفادُ من تقديمِ المسندِ قصرُ إفرادٍ حتماً ويجوزُ أن يكونَ هذا تقريراً لقولِه تعالَى: {وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} أيْ ولِي دِيني لا دينُكم كمَا هُوَ في قولِه تعَالَى: {وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم} وقيلَ: المَعْنى إنِّي نبيٌّ مبعوثٌ إليكُم لأدعوَكُم إلى الحقِّ والنجاةِ فإذَا لم تقبلُوا مِنِّي ولَمْ تتبعونِي فدعونِي كَفافاً ولا تدعونِي إلى الشركِ فتأملْ.
عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قرأَ سورةَ الكافرونَ فكأنَّما قرأَ ربعَ القرآنِ وتباعدتْ عنْهُ مردةُ الشياطينِ وبرىءَ مِنَ الشركِ وتعافَى مِنَ الفزعِ الأكبرِ».

.سورة النصر:

.تفسير الآيات (1- 2):

{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2)}
{إِذَا جَاء نَصْرُ الله} أيْ إعانتُهُ تعالَى وإظهارُهُ إياكَ على عدوكَ {والفتح} أيْ فتحُ مكةَ وقيلَ: جنسُ نصرِ الله تعالَى ومطلقُ الفتحِ فإنَّ فتحَ مكةَ لمَّا كانَ مِفْتاحَ الفتوحِ ومناطَهَا كمَا أنَّ نفسَها أمُّ القُرَى وإمامُها جُعلَ مجيئُهُ بمنزلةِ مجيءِ سائرِ الفتوحِ وعلقَ بهِ أمرَهُ عليهِ السلامُ بالتسبيحِ والحمدِ والتعبيرُ عنْ حصولِ النصرِ والفتحِ بالمجيءِ للإيذانِ بأنهُمَا متوجهانِ نحوَهُ عليهِ السلامُ وأنهُمَا على جناحِ الوصولِ إليهِ عليهِ السلامُ عن قريبٍ. رُوي أنها نزلتْ قبلَ الفتحِ وعليهِ الأكثرُ. وقيلَ: في أيامِ التشريقِ بمِنًى في حجةِ الوداعِ، فكلمةُ إذَا حينئذٍ باعتبارِ أنَّ بعضَ مَا في حيزِهَا أَعْنِي رؤيةَ دخولِ الناسِ الخ، غيرُ منقضٍ بعدُ وكانَ فتحُ مكةَ لعشرٍ مضينَ من شهرِ رمضانَ سنة ثمانٍ ومعَ النبيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ عشرةُ آلافٍ منَ المهاجرينَ والأنصارِ وطوائفِ العربِ وأقامَ بهَا خمس عشرَةَ ليلةً وحينَ دخلَها وقفَ على بابِ الكعبةِ ثمَّ قالَ: «لاَ إله إلا الله وَحْدَهُ لاَ شريكَ لَهُ صدقَ وعدَهُ ونصرَ عبدَهُ وهزمَ الأحزابَ وحدَهُ». ثمَّ قالَ: «يا أهلَ مكةَ ما ترونَ أني فاعلٌ بكُم؟» قالُوا: خيراً أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ، قالَ: «اذهبُوا فأنتُمْ الطلقاءُ» فأعتقهُمْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقدْ كانَ الله تعالَى أمكنَهُ من رقابِهم عنوةً وكانُوا له فياءً ولذلكَ سميَ أهلُ مكةَ الطلقاءَ ثمَّ بايعُوه على الإسلام ثمَّ خرجَ إلى هوازنَ {وَرَأَيْتَ الناس} أيْ أبصرتهُمْ أو علمتهُمْ {يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله} أيْ ملةُ الإسلامِ التي لا دينَ يضافُ إليهِ تعالَى غيرُهَا والجملةُ على الأولِ حالٌ من الناسِ وعلى الثاني مفعولٌ ثانٍ لرأيتَ وقولُه تعالَى: {أَفْوَاجاً} حالٌ من فاعلِ يدخلونَ أيْ يدخلونَ فيهِ جماعاتٍ كثيفةً كأهلِ مكةَ والطائفِ واليمنِ وهوازنَ وسائرِ قبائلِ العربِ وكانُوا قبلَ ذلكَ يدخلونَ فيهِ واحِداً واحِداً واثنينِ اثنينِ. رُويَ أنَّه عليهِ السلامُ لما فتحَ مكةَ أقبلتِ العربُ بعضُها على بعضٍ فقالوا: إذَا ظفِرَ بأهلِ الحرمِ فلنْ يقاومَهُ أحدٌ وقدْ كانَ الله تعالَى أجارَهُم من أصحابِ الفيلِ ومن كُلِّ من أرادهُم فكانُوا يدخلونَ في دينِ الإسلامِ أفواجاً من غيرِ قتالٍ وقرئ: {فتحُ الله والنصرُ} وقرئ: {يُدخلونَ} على البناءِ للمفعولِ.